مِنَ الطَّبِيعِيِّ أنْ تَنْسَى مَا قَرَأْت

سألتني صديقتي سؤالًا استوقفني،

”ما المغزى من القراءة إن كنتُ سأنسى ما قرأت؟“

أدركتني بسؤالها هذا بعد قراءتها ”اضمحلال الإمبراطوريّة الرّومانيّة وسقوطها“ للمرّة الثَّانية، ولربّما كانت الثَّالثة. تذمَّرت متنهِّدةً بأنَّها لا تستطيع استذكار الكثير من الأحداث والوقائع كلَّما أرادت تدوين بعضها للمراجعة لاحقًا. وتُحْبَطُ حين تأتي بنَظَرها ناحية كُتُبِها المرصوفة فوق سريرها.

”ما حاجتي بكلِّ هذه الكتب إنْ كنتُ لا أستحضر منها إلَّا اليسير؟“

يشعر الكثير مِنَّا بالخوف -شبه الوجوديِّ- لاحتمال فقداننا للحِكمة التي انتزعناها من الكتب التي طالعنا.

لا أصل لِصحَّة تلك المخاوف.

في مستهلِّ الأمر، إنْ كنتُ أحبُّ المطالعة، فالذّاكرة ليست بمشكلةٍ أبدًا. إذا كنتُ أقرأ للمُتعة فحَسْب، فما الضّررُ إنْ نسيت؟ بل بالعكس، أمكنني نسياني هذا على أن أستأنسَ بتصفُّحِ كتابي المفضَّل مرارًا وتكرارًا.

وهل يوجد نعمةٌ أفضل من النِّسيان لمحبِّي الكتب؟

ولكنَّنا نقرأ أيضًا بدوافع أخرى. نريد كلَّ حينٍ أن نَسْتقيَ جُزءًا ممَّا نقرأ.

إن بحثتم هنا أو هناك لَوَجدتُم الكثيرَ من المقالات والكتابات في اسْتِبْقَاءِ المعلومات (تدوينها، وصْلِها ببعضها، تلخيصها، تعليمها للآخَر، نومنا…)، ولكنَّ لي رأيٌ آخر، رأيٌ له كرسيٌ للتأمّل والنقاش.

النِّسيان ليس نسيانًا.

إذا تناولنا الصَّفحات المنسيَّة من ”اضمحلال الإمبراطوريّة الرّومانيّة وسقوطها“ نأتي إلى الإدراك التالي:

من الصَّحيح أنَّ صديقتي قد نسيَت تفصيلاتٍ من الكتاب كتواريخ وأحداث وأسماء، إلَّا أنَّها استبْقَتْ على أمرٍ في غاية الأهميَّة:

إنَّ المكان المناسب للبحث عمّا تَعلَّمَتْهُ لا يكونُ بما تستذكرُ من الكتاب، بل بالقوالبِ والنّماذج الذّهنيّة التي تكوَّنت لديها حين قَرَأَت عن روما وجيوشها، وثقافة القرون الغابرة، ونظرة الغرب البسيطة إلى بلاد شرق البحر المتوسِّط، وحصار القلاع، وهلمَّ جرَّا… فحَصادُ القراءة حينها لا يُستحالُ ضئيلًا كما كان يبدو.

ما نكتسبه من الكتب ليس مجرَّد مجموعة من الأسماء والتَّواريخ والأحداث المخزَّنة في أذهاننا مثل الملفَّات في جهاز كمبيوتر. فالكتب تُغيِّرُ وتُقولِبُ عَالَمَنَا وواقِعَنَا الذي نُدركُ ونَتصوَّرُ عن طريقِ القوالب الذّهنيّة المتراكمة…

يمكنكم تصوُّرَ هذه القوالب والنّماذج الذّهنيّة كعدساتٍ نفسيّةٍ تُلوِّنُ وتُشكِّلُ ما نراه. بعض هذه الأمور أصلها وراثيّ وبعضها ثقافيّ (يركِّز الأمريكيّون مثلّا على أجزاءٍ مختلفةٍ جدًّا من الصّورة مقارنة بما يركِّز عليه اليابانيّون)، ولكن الكثير من تصوراتنا تتشكّل أيضًا من خلال التّجربة—وتشمل هذه التّجربة الكتب التي نقرأ.

القراءة والخبرة تُشكّلان القالب الخاصّ بي عن العالم. وحتى إذا نسيتُ التجربة أو ما قرأتُه، فإن تأثيرهما على قالبي عن العالم سيظلّ قائمًا. العقل هو مثل برنامج مُترجَم كنتُ قد فقدتُ مصدره، ولكنّه يعمل، ولا أعرف السبب.

من الأمثلة التي تتبادر إلى الذّهن، القصص البوليسيّة، كروايات شيرلوك هولمز وأغاثا كريستي، أو القصص الموجّهة للأصغر سنًّا، الشّياطين ال13 والمغامرون الخمسة(فمن منّا لا يعرف توفيق خليل توفيق خربوطلي؟ تختخ).

لا أذكر من قتل من في روايات كريستي أو من قال ماذا في المغامرون الخمسة (باستثناء الشاويش علي، ”فرقعوا من هنا“)، ولكنَّني أخذت شيئًا من هذه الروايات. علّمتني كيف أفكِّر.

دعونا نوغِلُ أكثر.

كيف بإمكان هذه القوالب الذّهنيّة أن تساعِدَنا على القراءة بشكلٍ أفضل؟

إقرؤا إبتغاءً للقوالب.

cake-1776661_1920
…لا، ليس هذا القالب

لم تُكتب جميع الكتب متساوية، ولا حتّى صفحاتِ أي كتابٍ معيَّن.

عندما نقرأ، بعض العبارات والمفاهيم والأفكار تبرز بشكل أكثر وضوحًا عن سائر النصّ.

وبالرغم من أنَّ أعيُننا تمرُّ فوق كلِّ الكلمات، وأصابعنا تقلِّب جميع الصَّفحات، إلّا أنَّ ما نقرأهُ أبدًا لا يكون كلَّ الكتاب — فقوالِبُنا الذّهنيّة تؤكّد ذلك.

تعلمتُ أن أثقَ بهذا الحَدْسِ كلَّما قرأت.

عندما تستوقفني عبارةٌ ما، فعلى الأرجحِ أن تكون ذات أهميَّة. عندها، أدوِّن خاطرات على هامش النصّ. تكون بمثابة حوار مع الكاتب، وهذا الفعل بحدِّ ذاته يُنتجُ إتصالًا عصبيًّا، الّذي بدوره، يُحَدِّثُ القوالب في ذهني.

isaac_newton-marginalia
هوامش السير إسحاق نيوتن

هذا الفعل ليس بالأمر الجديد. المدوّنات تلك تُسمّى هوامش، والقرّاء كانوا يدوّنوها، على الأرجح، منذ عصر الكتاب الأوّل.

”الكتاب الجيّد يُصبح أفضل بعد القراءة الثّانية. والكتاب الرّفيع بعد الثّالثة. وأيُّ كتابٍ لا يستحقُّ القراءة مرَّة أُخرى، لا يستحِقُّ القراءةَ أصلًا.“ ~ نسيم نقولا طالب

خاطرةٌ أخرى.

إذا كان ذهننا يطوِّر قوالبه باستمرار، فمن الطَّبيعيِّ أن لا يُدركَ الواقعَ بالمرأى ذاتِهِ. وبناءً على ذلكَ، يَستحيلُ كلُّ كتابٍ تَجربةً أُخرى كلَّ مرَّة.

على سبيلِ المثال، عادةً ما يُنْتَفَعُ من القراءة وقْتَ حُدوثها، وذلك باستخدام قوالبِ الذِّهن في تلك الوقت. ولكنَّ من المرجَّحِ أن يُنْتَفَعَ من ذاتِ الكتاب بطُرقٍ مختلفةٍ في محطّاتَ كثيرةٍ في حياتنا. وهذا ما يعني أن قراءة الكُتُبِ الهامَّةِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ يَستحقُّ وَقْتَنَا.

كنتُ دائمًا ما أشعرُ ببعض ِالشكوكِ حولَ إعادةِ قراءةِ الكتب. فبِلا وعيٍ، كنتُ أُشَبِّهُ القراءةَ للأعمالِ الحرفيةِ كالنِّجارة مثلًا، حيثُ أنَّ الحاجةَ إلى القيام بإعادة إنجازِ العمل هو دليلٌ على خطأٍ حاصلٍ في التَّجربةِ الأولى. أمَّا الآن، فعبارةُ ”تمَّت قراءتُه لا تُشعرني براحةٍ حين أقرأءُها.

،ولا بأس إن أعدنا استنباطَ الحِكْمَةِ من نصيحةٍ ل”سنكا الأصغر التي دوَّنها منذ نحو ألفيّ عامٍ، حين قال:

”الشَّخصُ ذو الهضمِ الحسَّاسِ يَقْضِمُ في هذا وذاك؛ ولكنْ عندما يكونُ النظامُ الغذائيُّ متنوعًا جدًا، لا يَضْحَى أن يكونَ مغذِّيًا، فيُزعج المَعِدَةَ لا غَير. لِذَلِكَ اقرأ مِن مُؤلِّفينَ عِظام؛ وإذا مِلْتَ أحيانًا لآخرين، فَعُدْ بَعدَهم إلى السَّابقين. وَتَزوَّد كُلَّ يومٍ ضِدَّ الفقر، ضِدَّ الموت، وبالمثل ضِدَّ المِحَنِ الأُخرى. وبعد الإنتقال بسرعةٍ بينَ العديدِ من المواضيع، حدِّد واحدًا للتفكير فيه، وهضمه“. ~ ترجمة ذاتيَّة

بغضِّ النَّظر عن عدد المرَّات التي أعودُ فيها لكُتُبي، أَجِدُ دائمًا أنًّ مؤلِّفيها لديهم شيءً جديدًا ليقولوهُ لي.

1 thought on “مِنَ الطَّبِيعِيِّ أنْ تَنْسَى مَا قَرَأْت

  1. معلومات مفيدة جدا مكتوبة بتسلسل جميل
    اتمنى لك التوفيق

    Like

Comments are closed.

%d bloggers like this:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close